الرئيسية
محاضرة: جبران خليل جبران. . إرث خالد
للاستاذ سهيل بشروئي
الاستاذ بجامعة ماريلاند في الولايات المتحدة الأمريكية
رئيس الاتحاد العالمي للدراسات الجبرانية

بدعوة من اتحاد المدارس العربية في بريطانيا
ومدرسة الدراسات الشرقية والافريقية في جامعة لندن

بدأت المحاضرة بكلمة من السيدة ابتسام اوجي رئيسة الاتحاد، رحبت فيها بالمحاضر والحاضرين واشادت بموضوع المحاضرة الذي يتناول دور شخصية ذات تأثير ووزن في عوالم الفكر والوجدان على المستويين الاقليمي والعالمي في آن واحد، ومبشرة بفعاليات اخرى لاتحاد المدارس على المستوى الثقافي العام، اعقبها الدكتور محمد سعيد، الاستاذ بالجامعة في اطلالة على موضوع المحاضرة ومكانة المحاضر ومدى الاهتمام بالقضايا التي يشملها فكر جبران واجتهاداته.
وتحدث الأستاذ سهيل بشروئي فقال: قلة من الشعراء الذين يخاطبون أهل عصرهم بمستوى الصراحة والأمانة كما فعل جبران، وقليلهم يتمتعون بذلك الحس الانساني المتعاطف مع الوجود كله مثل ماكان لجبران. لقد آمن كل الايمان بوحدة العالم الانساني وأخوة البشر أجمعين متخطيا فروق العرق والدين واللون واللغة والجنس. اما رسالة السلام التي حملها جبران الى هذا العصر فقد جاءت لتلبي تطلعات عالم أثخنته جروح الحروب والنزاعات السياسية والطائفية، في زمن تفاقمت فيه الصراعات القائمة بين الاديان السماوية الرئيسة، وبين عالمي الشرق والغرب.
قال أن جبران قد حدد مشكلات العالم معتمدا في رؤاه الشعرية على أسانيد روحية، فقد رأى جبران أن التحديات التي سوف تواجه العالم الانساني وحياته على هذا الكوكب تستدعي بالضرورة خلق أسلوب جديد للتعامل ونهج جديد للحياة، أسلوب يكون عالمي الاطار، تعددي الاتجاه، شمولي النطاق، الى جانب خلق وعي انساني جديد وقيام ثورة روحية عارمة في المرتبة الاولى.
واستطرد بشروئي قائلا: كثيرة هي المواعظ التي يطلقها جبران في آثاره الكتابية، ومنها تلك التي ينصح فيها بالتشاور والتحاور المجدي في جميع الامور.
فالحوار والتفاوض والتشاور هي الأسس التي يعتمد عليها فض المنازعات في عالم اليوم، فدعا الى استخدام هذه الاسس في العلاقات الانسانية الفردية والوطنية والدولية. وبرغم الأهمية القصوى التي اولاها جبران للمطالب الانسانية الروحية فانه لم يهمل النشاط التجاري بين الناس سعيا الى اكتساب الرزق وتلبية الحاجات العائلية من مأكل وملبس غير ان جبران دعا الى استبدال القيم والاخلاقيات الرأسمالية في التجارة العالمية مقترحا انتهاج سياسة اقتصادية اكثر انسانية تقوم اساسا على العدل وتأمين الفرص للناس قاطبة. وهو بهذا يلخص اقتراحه ويحدد معنى (العولمة) المادية وما يمكنها أن تفعل لكي تنجح في خلق نظام تجاري وسوق تجارية متحدة في جو يسوده الانسجام والتفاهم وتدبير ينعم فيه الجميع بالسلام والطمأنينة.
ومضى قائلا: حاول جبران في كتابه (النبي) أن يضع أسس التآلف المسيحي - الاسلامي وبصورة خاصة أسس تآلف الأديان جميعها ولعله في ذلك مع صديقه أمين الريحاني رائد من رواد حركة تآلف الأديان أو حركة حوار الأديان في العالم العربي. كان جبران يؤمن ايمانا صادقا بمبدأ حقوق الانسان، ففي كل ماخطه دعا الى التسامح وقبول الآخر وكان هدفه جمع شمل البشر وخلق الاحترام بين اتباع الأديان المختلفة وتأكيد مبدأ امكان ايجاد الوحدة والاتحاد في التنوع والتعدد مما دفعه الى أن يخط رسالته المشهورة (الى المسلمين من شاعر مسيحي)، أنا مسيحي ولي فخر بذلك ولكنني أهوى النبي العربي وأكبّر اسمه وأحب مجد الاسلام وأخشى زواله.
أنا أجلّ القرآن ولكنني ازدري من يتخذ القرآن وسيلة لاحباط مساعي المسلمين كما انني أمتهن الذين يتخذون الانجيل وسيلة للحكم برقاب المسيحيين.
خذوها يامسلمين كلمة من مسيحي أسكن (يسوع) في شطر من حشاشته و(محمدا) في الشطر الآخر.
وعن جبران والطبيعة قال المحاضر: أتخذ جبران من الطبيعة موقفا لم يتخذه اي شاعر قبله في تاريخ الأدب العربي ولم يكن هذا الموقف نتيجة رومانسيته مع أن جبران مؤسس المدرسة الرومانسية في الأدب العربي الحديث وشاعرها الأول والأهم، بل كان موقفا نابعا من ايمانه بوحدة الوجود وارتباط جميع الموجودات بعضها ببعض، وقد ساعده على ذلك تأثره بما قرأه من الأدب العربي وخاصة بما أوحى اليه شعراء التصوف العظام أمثال ابن العربي وابن الفارض والغزالي.
وللطبيعة عند جبران قداسة خاصة وحرمة لايجوز للانسان انتهاكها، فالغاب والشجر والوادي والصخور والجبال رموز حية لكيان مقدس هو الطبيعة العصماء والبيئة النوراء، وفي قصيدته (المواكب) يعلن جبران ايمانه بالطبيعة ويناجيها وكأنه يتلو صلاة خاصة:

ليـس في الغابـة مـوت         لا، ولا فيـــها قبـور
فـاذا نيســان ولّــى         لـم يمت معه الســرور
ان هـول الموت وهــم         ينسـني طـي الصــدور
فالــذي عـاش ربيــعا         كـالذي عـاش الدهــور

واذا كانت البيئة التي دافع عنها جبران قضية من اهم القضايا التي اولاها اهتمامه فان قضية حقوق الانسان وخاصة مايتعلق بحقوق المرأة كانت قضية لاتقل اهمية عن قضية المحافظة على البيئة وسلامتها، كان جبران شاهد عيان لما كانت تقاسيه المرأة في بلاده في نهاية القرن التاسع عشر ولمس عن كثب قوة المرأة في تحمل المصاعب وقدرتها على مجابهة صعاب ينوء تحت عبئها أعتى الرجال. كانت والدته المثال الأعلى للمرأة في حياته، وقد شاهدها عن كثب وهي تكافح في بوسطن في اميركا عام 1895 بعد أن هاجرت عائلته اليها، وذلك لتأمين سبل العيش لهذه العائلة الصغيرة، ورغم صعوبة العيش الا أنها وفرت له كل ما في وسعها لصقل مواهبه واتمام دراسته.
من خارج نطاق العائلة عرف جبران امرأتين كان لهما أبعد الأثر في صقل مواهبه وتوسيع آفاق فكره وشحذ عبقريته، كانت الأولى ماري هاسكل رئيسة مدرسة مارلبورو للبنات في بوسطن وهي التي دعمته معنويا وماديا وحيث تمكن من السفر الى باريس ليدرس الفن والرسم، وكانت تكبره بعشر سنوات، ورفضت الزواج منه حين عرضه عليها وفضلت أن تبقى صديقة له تخدمه وترعاه، ويذهب بعض المؤرخين الى القول أن (المطرة) في كتاب (النبي) هي ماري هاسكل، المرأة المتحلية بالحكمة والتي تفهم جيدا المحبة بنوعيها الانساني والالهي. اما المرأة الثانية التي عرفها جبران فكانت الكاتبة اللبنانية مي زيادة، التي ظل يراسلها عشرين عاما ولم يلتقيا خلالها البتّة، ومات جبران تاركا لنا رسائله الى مي التي كانت بالنسبة اليه قرينة الروح، والتي ألهمته أن يكتب اليها قبل وفاته بثلاثة اعوام واصفا دور المرأة في حياته الشخصية: في عقيدتي انه اذا كان لابد من السيادة في هذا العالم فالسيادة يجب ان تكون للمرأة لا للرجل. انا مدين بكل ماهو أنا للمرأة منذ كنت طفلا حتى الساعة، والمرأة تفتح النوافذ في بصري والأبواب في روحي ولولا المرأة الأم والمرأة الشقيقة والمرأة الصديقة لبقيت هاجعا مع هؤلاء الذين يوشوشون سكينة العالم بغطيطهم .
يمكن تقسيم حياة جبران الأدبية والفنية الى فترتين رئيسيتين: الأولى تمتد من عام 1905 حين ظهر له أول كتاب باللغة العربية وتنتهي عام 1918 . أما الفترة الثانية فتبدأ بعد ذلك مباشرة بظهور كتابه الانجليزي الأول عام 1918 وتستمر الى نهاية حياته عام 1931 التي كتب فيها مجموعة كتبه، وكتبه الثمانية بالانجليزية نشر منها في حياته ستة كتب، ونشر كتابان بعد وفاته.
انتهى المحاضر الى طرح تأثير جبران في الأدب العربي فأشار الى أن جبران خليل جبران بعث روحا جديدة في الأدب العربي الحديث وأسهم اسهاما فريدا في تطوير الأساليب الشعرية مستخدما النثر الشعري لخلق لغة جديدة للشعر لم تكن معروفة في الأدب العربي الى ذلك الحين وهو دون شك مؤسس المدرسة الرومانسية في الأدب العربي الحديث.
في نهاية المحاضرة تم فتح باب الحوار والمناقشة بين المحاضر وجمهور الحاضرين، الذي تشكل من قطاع عريض من الدارسين والمثقفين ومحبي الأدب والشعر.
ألقيت المحاضرة في قاعة الخليلي بمدرسة الدراسات الشرقية والافريقية (SOAS) في لندن الساعة 6:30 من مساء يوم الخميس 24 تموز (يوليو) 2008.